ميرزا حسنعلي مرواريد

124

تنبيهات حول المبدأ والمعاد

وبينهما فرق ظاهر ، ففي الأوّل يعلم بالآثار أنّ له مولى عالما قادرا رؤوفا رحيما ، وفي الثاني يصل إليه ويخاطبه ويأنس به ، وإن لم يره ببصره ولم يعلم له كيفية . كما هو ظاهر قوله عليه السّلام : ولولا ذلك لم يعرف أحد من خالقه ولا من رازقه « 1 » . ومما يظهر منه أنّه ليس من جهة الاستدلال العقلي ولا من جهة أنس الذهن : تجلّيه تعالى بالوحدانيّة على قلوب المشركين ، كما دلّت عليه الآيات المتقدّمة ، فإنّه خلاف ما أنسوا به من الشرك كما مرّ . تنبيه وتفريع ثبوت هذه الحقيقة - أي المعرفة الوجدانيّة التي فطر الناس عليها - أوجب سهولة الأمر على الأنبياء في إتمام الحجة على أممهم في مقام الدعوة إلى اللّه وإلى توحيده . ولعلّه ملاك قتل المشركين بمجرد الدعوة إلى اللّه تعالى وإلى توحيده ، وإظهار الشرك منهم ، وملاك صحة إيمان الأطفال بمجرد بلوغهم وإن لم يكونوا على حدّ يصلح الاستدلال العقلي لهم ، وصحّة إيمان النساء والرجال الذين لا يتيسّر لهم الاستدلال من طريق العقل ، كما قامت عليه السيرة . والحاصل أنّه لا يحتاج - في صحة الإيمان باللّه تعالى وبتوحيده لو آمنوا ، وفي ثبوت الكفر بترك الإيمان - إلى سبق الاستدلال العقلي العاجز عنه كثير من الناس . نعم ، حكم العقل والاستدلال به مؤكّد للحجة على الكفار ، وقاطع آخر للاعتذار ، ولو أظهر أحد الشك أو شك واقعا لأجل خفاء هذه الفطرة بسبب من الأسباب فإنّه هو الذي يحتاج إلى الاستدلال العقلي من طريق العقل . وإلا فالأصل الأصيل الذي يكتفى به في عرفان الربّ تعالى شأنه والإيمان به المعرفة الفطرية .

--> ( 1 ) - راجع ص 115 .